جلال الدين السيوطي
9
الرحمة في الطب والحكمة
صاحبه أن يكون ذكي الفهم معتدل الأعضاء في جميع خلقه متوسط الحالات في جميع أموره منير النظر بين البطء والسرعة والشجاعة والجبن حسن الأخلاق متوسط الهيئات في جميع أموره واللّه تعالى أعلم . فصل في معرفة الغذاء المتصرف في الإنسان اعلم أن الغذاء به قوام البدن وثبات الروح في الجسد ومنه صلاح البدن وفساده وهو مهم الفضل مفيد لا يستغنى عاقل عن معرفته ، وذلك أن الغذاء إذا انهضم وتصرف في جميع آلات الهضم التهبت الطبيعة واستدعت الأكل وذلك هو الجوع المعروف ، فإذا لم تحصل لها مادة بالغذاء انعطفت على الرطوبة الأصلية فتأكلها فإذا فنيت انعطفت على الحرارة الغريزية وكان ذلك سببا للهلاك والعطب ، وإن حصلت المادة بالغذاء قطعته قواديم الأسنان الحادة على ما تقدر عليه الطبيعة وحركة اللسان الذي جعله اللّه تعالى مغرفة الطعام وترجمان الكلام وقلبه يمينا وشمالا إلى الأضراس فتطحنه طحنا ، فإن كان يابسا فقد خلق اللّه تحت اللسان نهرين حالبين حادثين يكون منهما أدم ذلك الطعام ثم يدفعه اللسان إذا أجاد مضغه إلى الغلصمة وتدفعه الغلصمة إلى المريء وهو فم المعدة الأعلى لأن المعدة كالقرورة لها عنق وجوف فإذا نزل إلى جوفها قليلا قليلا وامتلأت فهو الشبع المعروف ، وقد خلق اللّه تعالى في أسفل المعدة خرقا واسعا فينضم حين الشبع انضماما شديدا وتكثر الحرارة فينحل الغذاء ويلطف بواسطة الرطوبة فينهضم وينزل من ذلك الخرق قليلا قليلا إلى الأمعاء ، ومتى قلّت الرطوبة في المعدة بقي الطعام فيها يابسا مع كثرة الحرارة فتلتهب الرطوبة وتستدعي بالماء وهو العطش المعروف فإن لم يحصل مادة الماء نشفت الحرارة جميع الرطوبات الأصلية فكان سببا للهلاك ، وإن حصل مادة الماء عملت الطبيعة بواسطة الرطوبة فينهضم باقي الطعام كله إلى الأمعاء وهي تحت المعدة على الشمال فتطبخه الطبيعة طبخا ثانيا في الأمعاء وهو ماء لطيف أبيض ثم تدفعه بأفواه لها إلى الكبد وهي لحمة حمراء على اليمين من تحت القلب فتطبخه الطبيعة طبخا ثالثا فيصير دما أحمر مختلفا على أربعة أصناف : الأول رغوة صفراوية : خلق اللّه لها المرارة وهي كيس معترض بين الكبد والمعدة ولها فم متصل بالكبد تمص منها هذه الرغوة وتدفعها في أوقات تعرف بفم لها إلى المعدة فيعينها على الهضم بكثرة حرارة وقطع . الثاني فضلة سوداوية : وبها دم متعكر خلق اللّه لها الطحال وهو جراب له ثلاثة أفواه أحدها إلى الكبد يمص منها هذه الفضلات وتدفع منها كلّ حين شيئا إلى المعدة . والفم الثاني يعينها بحموضة وقبوضة على جودة الهضم ويقويها . والفم الثالث متصل بالصرم يدفع إليه ما بقي من هذه الفضلة فينزل مع الغائط المعلوم . الثالث فضلة مائية لزجة بيضاء : خلق اللّه لها الكلى تمصها من الكبد فتكون منها